ابن كثير

105

البداية والنهاية

البلدان فأرسل سرية إلى بلاد خراسان وتسميها التتار المغربة ، وأرسل أخرى وراء خوارزم شاه ، وكانوا عشرين ألفا قال : اطلبوه فأدركوه ولو تعلق بالسماء فساروا وراءه فأدركوه وبينهم وبينه نهر جيحون وهو آمن بسببه ، فلم يجدوا سفنا فعملوا لهم أحواضا يحملون عليها الأسلحة ويرسل أحدهم فرسه ويأخذ بذنبها فتجره الفرس بالماء وهو يجر الحوض الذي فيه سلاحه ، حتى صاروا كلهم في الجانب الآخر ، فلم يشعر بهم خوارزم شاه إلا وقد خالطوه ، فهرب منهم إلى نيسابور ثم منها إلى غيرها ( 1 ) وهم في أثره لا يمهلونه يجمع لهم فصار كلما أتى بلدا ليجتمع فيه عساكره له يدركونه فيهرب منهم ، حتى ركب في بحر طبرستان وسار إلى قلعة في جزيرة فيه فكانت فيها وفاته ، وقيل إنه لا يعرف بعد ركوبه في البحر ما كان من أمره بل ذهب فلا يدري أين ذهب ، ولا إلى أي مفر هرب ، وملكت التتار حواصله فوجدوا في خزانته عشرة آلاف ألف دينار ، وألف حمل من الأطلس وغيره وعشرون ألف فرس وبغل ، ومن الغلمان والجواري والخيام شيئا كثيرا ، وكان له عشرة آلاف مملوك كل واحد مثل ملك ، فتمزق ذلك كله ، وقد كان خوارزم شاه فقيها حنفيا فاضلا له مشاركات في فنون من العلم ، يفهم جيدا ، وملك بلادا متسعة وممالك متعددة إحدى وعشرين سنة وشهورا ، ولم يكن بعد ملوك بني سلجوق أكثر حرمة منه ولا أعظم ملكا منه ، لأنه إنما كانت همته في الملك لا في اللذات والشهوات ، ولذلك قهر الملوك بتلك الأراضي وأحل بالخطأ بأسا شديدا ، حتى لم يبق ببلاد خراسان وما وراء النهر وعراق العجم وغيرها من الممالك سلطان سواه ، وجميع البلاد تحت أيدي نوابه . ثم ساروا إلى مازندران وقلاعها من أمنع القلاع ، بحيث أن المسلمين لم يفتحوها إلا في سنة تسعين من أيام سليمان بن عبد الملك ، ففتحها هؤلاء في أيسر مدة ونهبوا ما فيها وقتلوا أهاليها كلهم وسبوا وأحرقوا ، ثم ترحلوا عنها نحو الري فوجدوا في الطريق أم خوارزم شاه ومعها أموال عظيمة جدا ، فأخذوها وفيها كل غريب ونفيس مما لم يشاهد مثله من الجواهر وغيرها ، ثم قصدوا الري فدخلوها على حين غفلة من أهلها فقتلوهم وسبوا وأسروا ، ثم ساروا إلى همذان فملكوها ثم إلى زنجان فقتلوا وسبوا ، ثم قصدوا قزوين فنهبوها وقتلوا من أهلها نحوا من أربعين ألفا ، ثم تيمموا بلاد أذربيجان فصالحهم ملكها أزبك بن البهلوان على مال حمله إليهم لشغله بما هو فيه من السكر وارتكاب السيئات والانهماك على الشهوات ، فتركوه وساروا إلى موقان فقاتلهم الكرج في عشرة آلاف مقاتل فلم يقفوا بين أيديهم طرفة عين حتى انهزمت الكرج فأقبلوا إليهم بحدهم وحديدهم ، فكسرتهم التتار وقعة ثانية أقبح هزيمة وأشنعها . وههنا قال ابن الأثير ( 2 ) : ولقد جرى لهؤلاء التتر ما لم يسمع بمثله من قديم الزمان وحديثه : طائفة تخرج من حدود الصين ، لا تنقضي عليهم سنة حتى يصل بعضهم إلى حدود بلاد أرمينية من هذه الناحية ، ويجاوزون العراق من ناحية همذان ، وتالله لا أشك أن من يجئ بعدنا إذا

--> ( 1 ) في ابن الأثير : رحل من نيسابور إلى مازندران . ( 2 ) انظر الكامل 12 / 375 .